الأحد، يناير 29

نور [٢] العفـــة شرف

كما قلنا في الحلقة الماضية فإن سورة النور مليئة بالأحكام والفروض والحدود..

لكن
الله عز وجل بدأ هذه الأحكام بحد الزنا فقال:

[ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِي
نَ ]
.
.

لماذا
؟؟

لأن تطهير المجتمع من الفساد يأتي قبل سن القوانين والأنظمة!

كما الطبيب إذا أراد معالجة جرح ما، فإنه بدايةً يعقمه ويطهره من الأوبئة والبكتيريا والجراثيم،
ثم بعد ذلك يبدأ بعلاجه وبإعطاءه المقويات والفيتمينات وغيرها..

ولله المثل الأعلى؛ بدأ عز وجل مجموعة الأحكام الكبيرة التي سنأتي عليها لاحقاً بإذن الله،
بدأ بحكم جريئ يقتضي به تطهير المجتمع،
وهو أول الحدود [ حد الزنا ] وذلك حتى ينشأ المجتمع نشأة طاهرة، وليحميه من الأمراض الوبائية على مستوى الفرد والمجتمع،،





لكن قبل أن نعرف معنى الزنا والفرق بينه وبين الزواج،

ربما يتساءل البعض؛
لماذا خلق الله هذه الشهوة التي تقود لفعل المحرمات أساساً؟؟

ما الحكمة في خلق هذه الشهوة؟؟

إن الإنسان بما فيه من شهوات إذا ضبطها ارتقى إلى الله عز وجل، فإذا مرَّت امرأة سافرة، وغضضت بصرك عنها رغم أن نفسك تميل للنظر، لكن إرادتك ألزمتك أن تغض البصر عنها، فامتثلت لأمر الله فارتقيت إليه..
فالله سبحانه وتعالى أودع فينا هذه الشهوة من أجل أن تنشأ الأسرة ويستمر النسل،
فالشهوة في الأصل فطرة لا ينكرها إلا مكابر أو جاهل، والفطرة كذلك لا يمكن أن تسمى شريرة !

لتقريب المعنى..

إذا رأيت سيارة وقع لها حادث مأساوي،
هل تقول : المصنع هو الذي فعل هذا الحادث ؟ لا !
المصنع صنع هذه السيارة من أجل أن تركبها، وتنتقل بها من مكان إلى آخر،
أما هذا السائق الذي قادها مخموراً أو منشغلاً بشيء ما أو مسرعاً بطريقة جنونية،
وتسبب في هذا الحادث فهو الذي أساء وتسبب في الكارثة !

كذلك الشهوات إنما أودعها الله في الإنسان لترقى به لا لتهلكه،
فإذا أساء استخدامها يهلك نفسه ..!

إذاً فيجب أن نؤمن ونوقن بأن ربنا سبحانه وتعالى أودع في الإنسان هذه الشهوة من أجل أن تنشأ الأسرة،
وهي اللبنة الأُولى في المجتمع، لا من أجل الزنى و
السفاح، ولا من أجل الشذوذ، أو دور اللهو،
أو الأفلام الساقطة، إنما فقط من أجل الزواج..!





نأتي الآن لمعنى الزنا وللفرق بينه وبين النكاح ..
الحقيقة أن الزنى هو لقاء غير مشروع، بينما الزواج فهو لقاء مشروع،
فحينما يخطب الإنسان امرأة تطلق أبواق السيارات يوم العرس أصواتها، وتعم الفرحة الجميع، فالعمل المشروع يرضاه الله عز وجل، ويرضاه الناس،
لكن إذا كان هناك لقاء طريق غير مشروع، ينخلع من يقوم به قلبه لأية خطوة تقع خلف ظهره!!

و عندما ينجب الإنسان في ظل الزواج ، يبقى طوال تسعة الأشهر ينتظر هذا المولود،
ويعد له حاجاته وألبسته، وهناك تفاؤل و بِشْرٌ وسعادة و ترقب و انتظار،
فإذا وضعت المرأة وليدها عمت الفرحة، وصارت التهاني والحفلات والمباركات وقدمت الهدايا، سبحانك يا رب هذا في الطريق المشروع ،
أما إذا حصل الحمل من الزنا؛ حصل الخوف والترقب ومحاولة التخلص من الجنين والخوف من الفضيحة، وإذا تمت الولادة وُضِعَ المولود في كيس ، ونُبِذ أمام الأبواب أو الزبائل أكرمكم الله!
هذا إن لم يُقتل..!

إذاً لنثق أنه ليس في الإسلام حرمان، ولكن فيه تنظيم ..





[ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ]


لماذا ذكر سبحانه [الزانية]؟؟
فلو قال تعالى: (الزاني فاجلدوه مئة جلدة)؛ لشمل هذا الحكم الزانية على طريقة القرآن الكريم في كل الآيات، لأن صيغة المذكر تجمع المذكر والمؤنث،
ولكن لئلا يتوهم بعضهم أن الزاني هو وحده المعاقب، فإن الزانية جرمها في الزنى لا يقل عن جرم الزاني ،
فمن باب التأكيد والتصريح، و لئلا يُفهم من هذا الحكم أن المرأة إذا زنت فلا شيء عليها،
بل إنه
تعالى قدّم الزانية على الزاني، وفي آيات أخرى ذُكِر السارق قبل السارقة ،
لماذا بدأ الله هنا بالزانية ، وبدأ هناك بالسارق ؟
قال بعض العلماء : لأن المرأة أقدر على الزنا من الرجل ، هي التي تغريه أو تدفعه إلى الزنا،
والرجل أقدر على السرقة من المرأة، لذلك في هذه الآية قُدِّمت المرأة، وفي آية السرقة قُدِّم الرجل .

.
.

[ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ]

أولاً مامعنى الجَلْد؟

جَلَدَه يعني (ضَرَبَ الجلد) ، لا يكسر عظماً ولا يقطع لحماً، إنما للتأديب والترهيب..

قال تعالى : [فَاجْلِدُوا
و لم يقل الله: (فاجلد)، لماذا كان وجه الخطاب إلى المجموع ؟
لأنّ كل خطاب موجه إلى مجموع المسلمين معناه أن أولي الأمر الذين أنيط بهم الأمر عليهم أن يطبقوه نيابة عن المسلمين، لذلك هذا الحد لا يجوز أن يطبق من آحاد المسلمين، فالحدود منوطة كلها بأولي الأمر وحدهم .
حتى إن الله حينما يقول : كلمة [وَأنَكْحِوُا] تعني على أولي الأمر أن ييسروا سبل الزواج ، هذا أمر موجه إلى الأمة ، وبالتالي إلى من يلي أمور الأمة ، فتيسير الزواج للشباب هذا العمل من أوائل أعمال أولي الأمر .
.
.

[ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ]

و هذا حد الزاني الحر البالغ البكر -أيْ غير المتزوج- حده وحد الزانية الحرة البالغة البكر مائة جلدة ،
ولو أردنا أن نبحث له عن بعض المخففات لوجدناه بدافع الشهوة ، بدافع الحرمان ، بدافع الضغط ، لذلك حده مائة جلدة ،
لكن الزاني المحصن الذي أكرمه الله بزوجة فما عذره ؟ ليس له عذر ،
ضغط الشهوة لا أصل له ، فهذا الشيء محقق عنده ،
ولكنه الفساد في الأرض و تضييع للأنساب وانتهاك الحرمات ،
إن هذا الزاني المحصن ثبت في السنة أن حده الرجم حتى الموت .
.
.

[ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ]

فلعل هذه الرأفة رأفة مزيفة حمقاء ، أأنتم أرحم أم الله؟
"يريد الله ليطهركم"
هو الخالق، هو الذي يعلم كل شيء، هو الخبير بنفوس عباده،
لذلك هذه الرأفة لا معنى لها ، هي رأفة ساذجة مزيفة، يقول تعالى :
"ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.."
فحياة المجتمع تقوم على إقامة الحدود، فإذا أقيم حد السرقة، وحد الزنى،
عاش الناس في بحبوحة ، وفي أمن ، وسلام ، وطمأنينة .
كما يقول رسوله الكريم: "
الحدود زواجر"


ومع ذلك شدد رب العالمين في مسألة إقامة الحدود كما سيأتي لاحقاً،
فلا يقام هذا الحد إلا بعد الإتيان بالأربع شهود،
ومسألة الإتيان بأربع شهود شاهدوا عملية الزنا ليست بالمسألة السهلة بتاتاً..!
.
.


[إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ]

فهذه الآية هي أسلوب التهييج ، تقول له : إذا كنت رجلاً فافعل ذلك،
إذا كنت مؤمناً حقاً فأقم الحد، لأنّ من لوازم المؤمن أن يبتعد عن الزنى، ومن لوازم المؤمن أن يقيم هذا الحد !
وكل الحدود!

جملة أعجبتني جداً سمعتها من
الشعرواي يقول:
"
من لا يقطع يد السارق بنيته أن يسرق"
وصدق!
.
.

[ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ]

من المعلوم أنه إذا تلقى إنسان ما الضرب وحده من الضارب يكون الألم مادي فقط،
ولكن إذا تلقى هذا الضرب أمام ملأ من الناس يعتقد أن الألم يتضاعف آلاف،
بل ملايين الأضعاف لأنه أصبح ألم + إهانة ،
فربنا عز وجل لا يقصد ضرباً مؤلماً لدرجة أنه يؤذي ، فهو جلد كما قلنا أي ضرب خارجي للجلد فقط،
ولكن أن يوضع الإنسان في ساحة عامة، وأن يجلد على ملأ من الناس،
فهذا عقاب رادع ، عقاب مخيف له ولمن يشاهده، فهؤلاء المشاهدون حينما يرون الرجل قد ألقي على الأرض،
وقد انهالت عليه السياط، و شعر بالألم والهوان معا؛ يحسبون ألف حساب لجريمة الزنى قبل أن يقدموا عليها ،
وكأن هذا الحد إذا أقيم على ملأ من الناس كان بمثابة التطعيم ضد مرض أو جريمة الزنى.

وفي القول المأثور: ((إِنَّ اللهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لاَ يَزَعُ بِالْقُرْآنِ))
أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن ، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد ، وهذا هو الواقع ..!


و الطائفة قالوا : ثلاث فما فوق ، وفي السنة يجلد هذا الزاني بعد صلاة الجمعة في ساحة عامة من ساحات البلد..




.: قيمة مهمة :.

إطلاق البصر، والنظر للعورات -ولو كانت بين بني الجنس الواحد-،

والمشي بمكان موبوء، وأن يصحب أناساً فاسقين، و قراءة الأدب الرخيص،

أو مشاهدة الأفلام الخليعة، أو سماع كلمات ساقطة من أغاني أو قصائد أو غيرها،

كل هذه المقدمات، تؤدي حتماً لهذا الطريق!

ويجب على المؤمن الوقاية والاحتراس من كل تلك الآفات،


فالـعفة شرف عند كل العقلاء والزنا رذيلة عند كل الأمم،

وإن تسمّى بكل الأسماء الطيبة كالحب والحرية،

وإن الزنا ليس زنا الفرج فقط بل العين تزني وزناها النظر،

كما قال صلى الله عليه وسلم:
"العينان زناهما النظر، والأذن زناها الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش،
والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبُهُ
"

فأغلب البشر لا يسلمون من هذا، وأكثر هذا كله النظر، زنا العين!
فإطلاق البصر يعيق سير العبد إلى ربه، ويسهل درب الخطيئة،

وكذلك اليد فيما تكتبه، وما أكثر ما صرنا نقرأ لمن يكتب الفحش ولو كان مازحاً !

عافانا الله وإياكم، وحفظنا بما يحفظ به عباده الصالحين..





للهم أحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا،
ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا
"

واجعل اللهم حياتنا
{ نورٌ على نور }

.
.

هذا والله أعلم ،،
وصلى الله وسلم على حبيبنا محمد وآله وصحبه أجمعين..

يتبع ،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق