الأربعاء، مايو 16

( لو ما أنزل الله حجّة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم ) ..!


{ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) }

مدخل

يقول الإمام الشافعي: ( لو ما أنزل الله حجّة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم ) ...

وهذا من فقه الإمام الشافعي رحمه الله ...
فقد حوت هذه السورة الدين بأجمعه ..!

وَالْعَصْرِ

أقسم الله تعالى في هذه السورة بالوقت (الزمن)، و هذه إشارة قوية على أهمية الأوقات وحفظها،
و لأهمية الوقت فقد تحدث عنه القرآن كثيراً وفي آيات عديدة؛
فجاء بذكره في كل الأوقات ؛ العصر، الضحى، الصبح، الفجر، السحر، الليل، الدجى ..

وعلّمنا ديننا إدارة الوقت بطرق عملية بعيدة عن التنظير، فقال: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً "
أي: لها وقت محدد لاتخرج عنه، وذلك أمثل تدريب عملي على إدارة الوقت وتنظيمه،
فجعل بداية الوقت الفضيلة ثم يليه وقت الرخصة ثم وقت الأذى وهو وقت تأخير الصلاة أو نهاية وقتها،
ثم وقت القضاء وهو وقت خروج الصلاة للصلاة التي تليها وهذا تنظيم دقيق لمسألة الوقت وإدارته،

وقد كان يتضح أثر ذلك التدريب جلياً عند الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين،

فكان لديهم فن استغلال وإدارة الوقت بدون دورات حديثة أو نظريات أو غيره مما نسمع عنه الآن في فن الإدارة!


فكانوا يقيسون الوقت بالعبادات ويحرصون على أهمية الوقت ؛
عنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسَّحُورِ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً "

كانوا يقرأون بلا توقف وكانوا يضنّون بأوقاتهم أكثر من أموالهم !
فلو طُلب منهم المال يقدمونه بسخاء، أما الوقت فكانوا يستأثرون به لأنفسهم ودينهم!

ثم لا ننسى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " بورك لأمتي في بكورها "
فنرى الغرب بمجرد أن تبدأ خيوط الفجر الأولى، تدب في بلدانهم الحركة والنشاط ،
فترى الكل يخرج ويعمل ويجد، وترى النشاط والحيوية في وجوه الكبار والصغار، أما نحن ..!
-إلا من رحم ربنا- فمع خيوط الفجر الأولى يبدأ النعاس بالتسلل إلى أعيننا !
وينثر الكسل سمّه على أجسادنا !
ولولا أن دواماتنا تبدأ بالساعة السابعة أو الثامنة لما فكرنا في النهوض من الفراش قبل الظهر أو حتى العصر !!


والله المستعان!
فأي بكور وأي بركة !!

يقول عز من قائل: "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون"
إذن وقتنا هذا ما خلقنا لنضيّعه ونعبث به، بل ينتظرنا يوم لنقدم فيه كشف الحساب عن كل صغيرة وكبيرة!
بل كل دقيقة أهدرناها من هذا الوقت الذي أؤتمنا عليه !
فلا نكن من الغافلين؛ فقسم ربنا بالوقت ليس بالأمر السهل اليسير!

لذلك وجب علينا اغتنام الوقت والانجاز به، فأعمارنا قصيرة جداً ..
لكننا نستطيع مضاعفتها والاتّـجار بها لكسب أعمار إضافية، يقول عليه السلام: " إذا مات ابن آدم ..."
قال علم ينتفع به، فقال علم ولم يقل علم شرعي أو غيره، فأي علم "ينتفع به" الأولى بك تقديمه لغيرك،
لتحصل من وراءه على الأجر الكبير الذي لن ينقطع بإذن الله حتى بعد موتك،
فتكون بذلك وكأنك مستمر بعملك الذي لم ولن ينقطع إلى يوم يبعثون ..


إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ

قال ابن الجوزي-رحمه الله-: "قال أهل المعاني: الُخسر: هلاك رأس المال أو نقصه.
فالإنسان إذا لم يستعمل نفسه فيما يوجب له الربح الدائم، فهو في خسران،
لأنه عمل في إهلاك نفسه، وهما أكبر رأس ماله " ..

فهذا هو جواب القسم؛ وهو تأكيد وإقرار من رب البرية سبحانه،
فهو يؤكد ويقسم على أن البشر كلهم في خسر وهلاك !!

كلهم !


إِلاَّ


استثناء من سينجو من هذا الهلاك والخسران العظيم !

وهم من تحققت فيهم الأربع صفات هذه ..

1- الَّذِينَ آمَنُوا
والمراد به كل علم واعتقاد يقرب الى الله سبحانه وتعالى ....
يقول تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.."
فالإيمان هنا هو التسليم بجميع الأوامر الربانية والأحكام الشرعية والأقدار الإلهية،
والبعد عن كل ما ينافي ذلك من الشركيات، كالرياء والغرور والشرك الخفي والاعتقاد بالمخلوقات والتعلق بغير الله والربا وغيرها .
وأكبر محكّ للإيمان هو المحن والبلايا وتحمل الصدمات والمصائب، ففيها يظهر الإيمان الحقيقي للعبد !
والإيمان كما نعلم ونحفظ جميعاً يزيد وينقص، فعلينا تفقد إيماننا وعمل برامج مستمرة لتقويته والمحافظة عليه،
فمن أهم أسباب المحافظة على الإيمان هم الصحبة الصالحة والتمسك بها، كما فعل عليه السلام ببرنامجه العظيم وهو برنامج المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فكان المسجد هو مكان التقاء الصحبة الصالحة،
و حضور مجالس العلم والدروس الدينية التي تزيد الإيمان والمعرفة الدينية وتقوي العقيدة وتُذهب فتور النفس،
كان يقول الصحابة رضوان الله عليهم لبعضهم: "تعالوا بنا نؤمن ساعة"
والمقصود أي نجدد إيماننا بذكر الله وتدراس دينه مع بعضنا البعض، لما فيه من فوائد عظية على الفرد والجماعة، تدبر آيات الله بحضور القلب، كذلك قراءة الكتب النافعة .. وغيرها من أسباب المحافظة على الإيمان وزيادته.


2- وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ :
 كل عمل يقرب الى الله سبحانه وتعالى على أن يكون هذا العمل خالصا لله وموافقا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، من فرائض ونوافل ونيّات خالصة لله بالأعمال كلها .


3- وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ:
 تواصوا فيما بينهم على الحق الذي اعتقدوه وتعلموه وعملوا به فنشروه بينهم،
وفي مجتمعاتهم وبين أهاليهم، وعلموه للأمة، فالدعوة لدين الله مهمة كل فرد مسلم، وليست قصراً على أحد دون غيره .


4- وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ :
 أي صبروا على هذا الأمر الذي اعتقدوه وتعلموه وعلموه للغير،
فصبروا على الأذية فيه لأن ما من أحد يحمل القرآن والسنة إلا ولا بد أن يؤذى !

وهنا فائده ذكرها ابن عثيمين رحمه الله يقول:
[ قال عز وجل ( وكذلك جعلنا لك نبي عدوا من المجرمين ) ولكن على الداعية أن يقابل ذلك بالصبر،
وانظر إلى قول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ( إنا نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلا )
كان من المنتظر أن يقال فاشكر نعمة ربك ولكنه عز وجل قال ( فاصبر لحكم ربك ) !
وفي هذا إشاره الى أن كل من قام بهذا القرآن فلا بد أن يناله مما يحتاج إلى صبر ]

ومن معاني التواصي بالصبر؛ معنى ربما غاب عن كثير منا وهو مبدأ [ التصبير ]
وهو تصبير الناس وإعانتهم على بلواهم بدلاً من التحامل معهم بقصد وبدون قصد!
فتجد أحدنا إذا اشتكى إليه أحدهم أمراً؛ ثار معه وحرضه وزاده غضباً وجزعاً !!
وهذا منافي للمعنى العظيم بالتواصي بالصبر ..

يقول الإمام علي رضي الله عنه: " إذا جاءك الرجل وقد فُقئت عينه فلا تحكم له فلعل الآخر قد فُقئت عيناه " !
فالتواصي بالصبر يقتضي تصبير الناس وإعانتهم ورفع معنوياتهم وتشجيعهم وتذكيرهم بالله وقدرته وإرادته.

،،،

إذن بعد أن فهمنا القليل من معاني هذه السورة الصغيرة العظيمة التي قال فيها ابن القيّم:
" أقسم سبحانه أن كل أحد خاسر إلا من كمّل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح ،
وكمل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه، فالحق هو الإيمان والعمل ولا يتمان إلا بالصبر عليهما والتواصي بهما ،
كان حقيقا بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية، ويخلص به من الخسران المبين،
 وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبره".

ولو أردنا التحدث عن أهمية الوقت لما وسعنا المكان ولو أردنا فهم الإيمان لما أسعفنا البيان،
ولو أردنا فهم الصبر والتصبّر والتصبير للزمنا الكثير ،

ولكنها كلمات للتذكرة أسأل الله أن ينفعني وإياكم بها ،
فبها أخاطب نفسي وأسأل الله أن لا تكون حجة عليّ ..!


مخرج

عن ثابت البناني عن أبي مدينة الدارمي أنه قال :

(كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يفترقا حتى
يقرأ أحدهما على الآخر : "و العصر إن الإنسان لفي خسر" ، ثم يسلم أحدهما على الآخر )
*إسناد صحيح

هناك تعليقان (2):