الأربعاء، يناير 20

دورة :: لا تحزن وربك الله ::




بسم الله الرحمن الرحيم



إن من حكمة الحكيم في عباده ابتلاؤهم بأنواع من البلايا والرزايا ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، والموقن من المرتاب، فيبتليهم بالفقر، والمرض أو بفوات محبوب أو حصول مكروه أو زوال مرغوب، ففي هذه الابتلاءات لا بد أن تقع؛ لأن العليم الخبير أخبر بوقوعها فقال :

(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين)

فإذا وقعت هذه البلايا فحظُ العبدِ منها هو ما تُحدِثه فيه من أثرٍ، فمن صبرَ فله الأجرُ والثواب، ومن سَخِط فله السخط والحرمان ..

هذه إذاً هي سنةُ الله الماضيةُ في عباده، فلا حيلةَ لأي أحد منا في دفع ما قضى الله، ولكن يملك كل منا تخفيف ذلك البلاء وتلطيفه، فيحسن التضرع والدعاء والذل والافتقار، بل و الثناء على ربه الرحمن الرحيم ..
ولنصل إلى تلك المعاني العظيمة يجب علينا معرفة الداء لنتمكن من التشخيص والعلاج ثم الشفاء بإذن الله،

فنأتي الآن لمعنى الحزن حتى نستطيع فهمه ومعالجته والتعامل معه،


فكما أسلفنا ليس منه مناص!!


الحُزْن لغة:
الخشونة والشدة في الشيء حساً كان أو معنى، فيقال: أرض فيها حُزُونة أي خشونة وغلظة، وكذلك في النفس فهو خشونة النفس لما يحصل فيها من الغم.
والحُزْن خلاف السرور والفرح..

الحُزْن اصطلاحا:
الغم الحاصل لوقوع المكروه ،أو فوات محبوب، ويضاده الفرح.
وهو أسف على ما فات، وهو ألم يرد على القلب من فوات نافع ،أو حصول ضار .

إذاً فكلا التعريفان يتصفان بالعموم، بمعنى أنه لم يلحظ فيهما تحديد ضابط للأمر المحزون عليه
هل هو يذم أو يحمد..

فإن صدّنا الحزن وقطَعنا عن الخير فهو مذموم
وإن لم يصرفنا بل استحثنا، ونهض بنا للقيام بحق الله فهو محمود
كيف نعرف ماهية الهم وهل هو محمود أو مذموم ؟؟
نعرف ذلك باجابتنا على هذا السؤال:

على ماذا حزن القلب ؟

وسنستفيض في الحديث عن هذا لاحقاً في الأسباب الجالبة للحزن بعد معرفتنا لأدلة الحزن وألفاظه..

هناك ألفاظ ذات ارتباط وثيق بمصطلح الحزن يكثر تداولها على ألسنة الناس، ونظرا لأهمية فهم وتحديد المصطلحات لمنع التداخل والاختلاط فيما بينها، لأن بين كل لفظ منها والآخر فارقا دقيقا و لا يغني لفظ منهم عن الآخر.

١- الضِيق حالة ناشئة عن بداية الحزن ، وهو شعور يصاحبه حَرَج وشِدّة مشقة في الصدر فيزيد حصول الضيق والاختناق بحيث لا يَسَعُ الصدر أنس ولا سرور، قال تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رَحُبت وضاقت عليهم أنفسهم).

٢- الأسَف الحسرة التي يصاحبها غضب وغيظ، قال تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا)(فرجع موسى إلى قومه غضبان أسِفا)
فالأسف أشد الحزن المشوب بالغضب.

أما 
٣- الغَمّ فهو معنىً ينقبضُ القلبُ معه، ويكون لوقوعِ ضررً قد كان .
وعرفه البعض: بـ الكرب الذي يأخذ بالنفس فكل مِحْنَة يشعر بها العبد أنها مُهلكةٌ له وقد تقضي عليه تسمى غماً، مثل ما حصل مع يونس عليه السلام حينما ألتقمه الحوت وظن أنه هالك لا محالة نادى في ظلمات البحار: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين )
قال تعالى: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم )..
وأما إذا طال زمان الحزن فغدا مصاحبا للمحزون زمنا طويلا فهو 

٤- الهَمّ الذي حقيقته التفكير في إزالة المكروه وجلب المحبوب!!
وهو ما يلازم المحزون ويستولي على تفكيره حتى يؤثر على قلبه وصحته ونفسيته ولعل هذا المعنى مشتق من المعنى اللغوي للهم: هَمَّ الشَحْم أي أذابه،
فطول الهم يذيب القلب والبدن!
وقد استعاذ الرسول صلى الله عليه وسلم من هذين القرينين فقال:
(اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، و العجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال)
والشرط هنا أن تكون هذه الاستعاذة صادقة!
فإذا غلبك الهم سيذيبك، أما إذا أعاذك الله منه فسيذيبه!!

إذاً يتبين لنا مما سبق أن للحزن عدة مصطلحات وحالات خلاصتها أن الحزن الذي تطول مدته هماً، فالحزن قد يكون ساعة أو يوم ويسمى أسفاً، والحزن قد يكون أياماً فيسمى ضيق.

نأتي الآن لمصطلح أخير يقارب الحزن من جهة ويخالفه من آخرى وهو الخوف
فالخوف كما الحزن ألم وارد في القلب!
لكن الخوف ينشأ من توقع مكروه في المستقبل، والحزن ألم على ما وقع ومضى، قال تعالى: (فإما يأتينكم مني هدىً فمن اتبع هدايَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)
والخوف عبادة مأمورٌ بها بعكس الحزن فهو ليس بعبادة ولا مأمورٌ به بل منهي عنه.
(فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين)
فمن أقبل على الله واتبع هداه فلا خوفٌ عليه مما يستقبل ولا حزن عليه على مامضى، فيحصل له ضدّهما وهو الأمن التام وسعادة الدارين.



أدلة الحزن وحكمه !!




بعد معرفتنا لمعنى الحزن وألفاظه، نود معرفة حكمه وأدلته لكن..!
قبل معرفة حكم الحزن علينا معرفة نقطة مهمة يعتمد عليها هذا الحكم!!
نعلم جميعاٍ أن مستقر الإيمان هو القلب، وأن الأعمال ماهي إلا تصديقٌ لما في القلب، يقول حبيبنا عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)
فالقلب اختاره الله بعلمه وحكمته ليكون سبب صلاح ظاهراً وباطنا، دنيا وآخرة، واختار له أعمالًا هي من أصول الإيمان وقواعد الدين، وأمره بتحقيقها والتعبد بها، مثل: محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتوكل عليه، وإخلاص الدين له، وشكره والصبر على حكمه، والخوف منه، والرغبة إليه، وما يتبع ذلك من أعمال القلوب..

وكذلك نهاه عن كل عمل يفسده أو يضعفه أو يمرضه، مثل: الغفلة، والحقد والحسد، والجزع، والنفاق،والحزن وغيرها ،،
إذن ليس من حقنا تحميل ذلك القلب فوق طاقته ؛!!

لأن القلب أمانة لدينا خُلق ليكون عبدا لله، وليس لحامله أن يُدخل فيه ما شاء، ويُخرج منه ما شاء..!!


نعود الآن للحزن -أبعده الله عنا- وكما نعلم فالحزن عمل باطني مستقره القلب!!
لم يأمر الله به، ولا أثنى عليه، بل على العكس!!
فقد ورد في القرآن كثيرا منفيا، أو منهيا عنه، 
قال تعالى:(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) 
وقال : (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) 
وقال: (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون) 
وقال أيضا: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )..
وقد علق ابن القيم على هذه الآية الكريمة فقال: "هذه الآية تشير إلى أن من صَحِبَ الرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاء به، بقلبه وعمله وإنْ لم يصحبه ببدنه فإن الله معه" 
ومن كان الله معه فلا حزن له ولا عليه ..!!

ومما يؤكد نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن، ما مر سابقاً من كثرة استعاذته عليه الصلاة والسلام من الحزن، فكان يقول: ( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن،... )..

إذن فـ علّةُ النهي عن الحزن وعدم الأمر به تتخلص في:

  • أن الله جل وعلا نهى عباده عنه ..
  • أنه لا يجلب منفعة بذاته ولا يدفع مضرة، فلا فائدة فيه..!!
  • أنه لا مصلحة فيه للقلب، بل يضعفه ويوهن عزمه فهو مرض من أمراضه خطير!
  • أنه من مصائد الشيطان، بل من أحب الأعمال إليه تحزين أهل الإيمان بما يلقيه في قلوبهم من الألم والأسى . قال تعالى : ( إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله )..
إذن فالحزن ليس مطلوب ولا مقصود ولا فائدة فيه!
بل هو مصيبة من المصائب، وبلية من البلايا التي تصيب الناس في هذه الدنيا، ولذلك يقول أهل الجنة إذا دخلوها : (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَن )..

والدليل على أن الحزن مصيبة من المصائب ما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما يصيب المسلم من نصب لا وصب ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)

إذن فالأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تكفر ذنوب من تقع له ..!!

فمن هنا وبعد أن عرفنا حقيقة الحزن!
ورأينا النهي عنه في القرآن والسنة، يتبين لنا حكم الحزن، ويختلف ذلك الحكم تبعاً للأمر المحزون عليه، فمنه الحزن المحمود والمذموم!!!

وإلينا بعض التفصيل ليتبين الحكم تماماً، فالأمر واضح ولا يتطلب سوى معرفة :

على ماذا حزن القلب؟!!

أي 
ماسبب ذلك الحزن؟!


فـ يُحمد حزن العبد المؤمن إذا كان بسبب :

- تفريطه وتقصيره في عبوديته لربه ..
- تورطه في مخالفته ومعصيته ، وضياع أيامه وأوقاته في غير طاعة مولاه ..
- تشتت قلبه وهيامه في أودية الدنيا حتى أقعده عن أمر الآخرة..
- مصائب ونكبات المسلمين الداخلية والخارجية ..
ونحو هذا من الأسباب التي تدل على صحة الإيمان، وهنا لا يُطلب الحزن لأنه لايجدي بذاته شيئا بل قد يضعف القلب ويضره، لكنه ينفع العبد في الإستعانة بربه والتشمير والجد والاجتهاد في إصلاح الحال، فلا يأثم صاحب هذا الحزن إلا إذا صاحب حزنه أمرٌ مُحّرم!!
كذلك الذي يحزن على المصائب في غير إعتراض على حكم الله وقدره!
فقد ورد أنه اشتكى سعد بن عباده شكوى، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال: (قد قضى؟) قالوا لا يارسول الله، فبكي النبي، فلما رأى القوم بكاء النبي بكوا، فقال: ( ألا تسمعون؟، إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا- وأشار إلى لسانه- أو يرحم).
وكذلك ما نعرفه جميعاً من حادثة موت ابنه إبراهيم عندما قال صلى الله عليه وسلم: (إن العين تدمع وإن القلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون).
فهذان الحديثان يفسران أن البكاء جائز وأن الألم وارد وأن من الحزن ما هو مباح إذا كان فقطبدمع العين ورقّة القلب من غير سخط ولاضجر لأمر الله!! 
وأن لا يجر هذا الحزن إلى هلاك القلب والبدن!!



أما ما يُذم من الحزن فهو ما يكون بسبب:

- حزن العبد على مافاته من الدنيا، ومن متاعها ولذاتها وهذا باب واسع جداً للحزن، يؤدي إلى الهلاك، فلا هو رضي بما كتبه الله ولا هو جلب بهذا الحزن منفعة أو دفع ضراً!!
- مانتج من ضعف القلب واشتغال القلب به عن فعل ما أمر الله، فمن الحزن ما يفضي إلى ترك الصبر والاحتساب، والانشغال بهذا الهم في كل حركة وسكنة، حتى عند أداء العبادات ..!
تجد القلب مشغولاً بذلك الهم! 
بعيداً كل البعد عن الله، وعن واجباته وعن حقوق الله وحقوق عباده، فلا يرى ولا يسمع إلا حزنه وهمه! فهذا الحزن منهيٌ عنه شرعاً !!

لذك يجب علينا أن نعلم أن الحزن إنما هو -كما أسلفنا- بلاء ومحنة واختبار، ولايرفع البلاء إلا إذا أذن الله له، فمدافعة الحزن ومحاربته سياسة شرعية تحقق صدق العبودية لله، والانقياد لله..


الله أسأل أن يذيب همومك ويذهب أحزانكم وينير لكم الطريق، ويجعلنا وإياكم من الآمنين..



~~~~~~~




بعد أن علمنا معنى الحزن وألفاظه وتطرقنا إلى أحكامه بالتفصيل وأدلتها، سنشرع اليوم بإذن الله في معرفة الأسباب الرئيسية المهمة الجالبة للحزن!
وسنفصل في كل منها حتى يعرف كل منا أين الخلل عنده، وأي تلك الأسباب يستحوذ عليه؛ حتى يقاتله ويتخلص منه ..!

فما هي الأسباب الجالبة للحزن؟!


أولاً: الجهل بالله

"من جهل ربه فهو لما سواه أجهل"

معنى الجهل بالله هو جهل العبد بأمور ربه وغفلته عن أوامر ربه الشرعية سواء القلبية الباطنة كالتوحيد والإيمان واليقين والتوكل على الله والخوف منه وخشيته أو الظاهرة كالوضوء والغسل وسائر العبادات..
والجاهل بربه وبرحمته ولطفه وحكمته وشرعه مناعته أضعف المناعات على الإطلاق...!!
لأنه لم 
يحصّن نفسه بمعرفته بربه!
فإذا أصابه مكروه أو تخلف عنه مرغوب كان أشد الخلق جزعاً وحزناً، وأضعفهم صبراً، وأقلهم جلداً وعزما..!
كيف لا والقلب لم تتحقق فيه مادة روحه وحياته فلم يعرف خالقه..!!



ثانياً: التعلق بغير الله

و هذا السبب هو الطامة الكبرى و المصيبة العظمى الذي يطرق القلب فيرديه قتيلاً تتناوشه الأحزان والهموم ..!
إن هذا 
القلب خُلق ليكون عبداً لله ، مَلِكاً متصرفاً في الجوارح التي تصدر كلها عن أمره وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وهو المسئول عنها! ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب؛ أجلب عليه الوساوس وأمده من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق ..!!
قال الله: (
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)
فلم يجعل له عليهم سلطان ابتداء، ولكن هم سلطوه على أنفسهم بطاعته..!! فلم يتسلطن عليهم بقوته فإن كيده ضعيف..! وإنما تسلطن عليهم بإرادتهم..!!

وإنه لا سعادة للقلب ولا صلاح إلا بأن
 يكون الله هو إلهه وحده، وهو معبوده وغاية مطلوبه وأحب اليه من كل ما سواه !
فالنفس لا تترك محبوباً إلا 
لمحبوب أعلى منه!!

وإذا كان المحبوب من الخلق 
يأنف ويغار أن يشرك محبة غيره في محبته فكيف بالعلي الأعلى.!!
وكل محبة لغيره فهي عذاب ..!

فعبودية العبد لله تبدأ من قلبه محبة وخضوعا، ومتى استعبد القلب لشيء كان عبداً له..!

فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب..!

إذن فإن التعلق بغير الله يكون 
بالقلب ثم ينشأ عنه القول والفعل..!

و للتعلق بغير الله 
أنواع نذكرها بالتفصيل لكون هذ السبب الأبرز لدى الأغلبية من حيث درينا أو لم ندرِ:

الأول
: ما ينافي التوحيد من أصله، وهو ما إن يتعلق العبد بشيء لا يمكن أن يكون له تأثير!
مثل: تعلق عباد القبور بمن فيها عند حلول المصائب طلبا للنجاة فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة..

الثاني
: ما ينافي كمال التوحيد وهو أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع الغفلة عن المسبب وهو الله..
مثل: أخذ الدواء أو الذهاب لطبيب مشهور والاعتماد عليه، أو المذاكرة والاعتماد عليها وإذا لم يفلح استنكر ذلك لاعتقاده بالسبب وليس المسبب!!

الثالث
: أن يتعلق بالسبب تعلقاً مجرداً لكونه سبباً فقط، مع اعتماده الأصلي على الله، فيعتقد أن هذا السبب من الله وأن الله لو شاء لأبطل أثره ولو شاء لأبقاه، فهذا لا ينافي التوحيد لا كمالاً ولا أصلاً فيجب على العبد أن لا يعلق قلبه بالسبب بل يعلقه بالله ..
وهو أن: 
تفعل السبب بينك وبينه جفاء لا تعلق..!

وبناءاً على ما سبق فإن أعظم مفسدات القلوب على الإطلاق هو 
التعلق بغير الله تبارك وتعالى لأنه ليس أضر على القلب منه..!
والحكم العدل قضى بأنه إذا تعلق قلب عبده بغيره وكلّه إليه..!
وخذله من جهة ما تعلق به..!
فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمّله ممن تعلق به وصل..!
وهذا أعظم الناس خذلاناً وهماً 
وحزناً وحرماناً..
فهو كالمستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت لأنه أعرض عن رحمة الله واستغنى عنه وتمسك بالسبب الأضعف..!
بل تمسك 
بلا شيء فوكله إلى ما تمسك به فلم ينفعه شيئا..!!!



ثالثا: نسيان العبد نعم ربه عليه

وهذه بلية ثانية عظمى من بلايا الجهل بالله والغفلة عنه وعن نعمه ..!
ومعلوم أن نعم الله لا تعد ولا تحصى قال الله: (
وما بكم من نعمة فمن الله )..

فسبحان من لم يجعل لأحد من خلقه قدرة على معرفة نعمه كلها !
ونعم الله على ثلاثة أنواع:
نعمة حاصلة ونعمة منتظرة ونعمة هو فيها لا يشعر بها..!!
فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده 
عرّفه نعمته الحاضرة، وأعطى من شكره قيداً يقيدها به حتى لا تشرد فإنها تشرد بالمعصية وتقيد بالشكر..!
ووفقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة، وعرّفه النعم التي هو فيها ولا يشعر بها..

فمن الناس من يرى النعمة في بدنه بالأكل والشرب والنكاح فقط، ومنهم من يرى النعمة بالرئاسة والجاه..

و أعلى من هؤلاء من يرى النعمة في الإيمان والعمل الصالح 
لكن لا يرى الأمر بذلك والجهاد عليه نعمة، بل يرى فيه من المضار ما يوجب تركه..! والذين يرون هذه النعمة منهم من لا يراها نعمة إلا مع السلامة والغنيمة، فإن جرح أو أصيب بعض أولاده، عدّ ذلك مصيبة لا نعمة، وحزن حزناً شديداً أنساه سابغ نعم ربه عليه..!
فهو يرى أن النعمة ما يتنعم بها العبد..!
لكن باعتبار ما حصل به من الرحمة نعمة تكفر به الخطايا ويؤجر عليها وعلى الصبر عليها 
كانت نعمة، وهذا بمنزلة شرب المريض الدواء الكريه الطعم والرائحة، هو مصيبة باعتبار مرارته، وهو نعمة باعتبار إزالته للمرض الذي هو أشد ضرراً منه وأدنى الشرين إذا زال أعظمهما كان نعمة ..!

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى علي فيه أربع نعم: إذ لم يكن في ديني ، وإذ لم يكن أعظم، وإذ لم احرم الرضا به ، وإذ أرجو الثواب عليه))
والله يقول: (
إن الإنسان لربه لكنود) أي كفور يذكر المصائب وينسى النعم!!
ساخط على كل شيء ! ينكر ويجحد الأفضال ولا ينتبه أنه مثقل بأسباب المصيبة وهي ذنوبه ..!!
ويبقى 
الإيمان بالله خير منقذ وعاصم من النكران والجزع..!
وخير حامل على الصبر والرضا والثناء على الله بما هو أهله على كل حال، 
وعند هذا فلا حزن مع الله..!



رابعاً : فعل المعاصي والسيئات

من الطبيعي الذي لا شك فيه وكلنا يؤمن بذلك؛

أن فعل المعاصي ما هو إلا جهل بالله وغفلة عنه وبالتالي استجابة للشهوات والأهواء، وانتهاء بمعصية أو ذنب يورث العيش الضنك والحزن والهم والغم!


قال الله تعالى: "ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا * ونحشره يوم القيامة أعمى"

أي يعيش عيشاً ضيقاً -في الدنيا- بما يصيب 
المعرض عن ذكر ربه من الهموم والغموم والآلام التي هي عذاب معجل ..!


وكلمة (ضنكا) عامة شاملة لكل شيء في الحياة..!

فلا يجد ذلك 
المعرض سوى الهم والغم والضنك ملازماً له في كل أموره أو كما نقول -مقفلة في وجهه!!-


وعلى العكس تماماً فإن طاعة الله هي الحصن الأعظم..!

الذي مَن دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة..
 فوسّع الله صدره وعصمه من كل هم وحزن..

و لكن من لم يخف الله أخافه كل شيء وأحزنه كل شيء..

وهذه هي المعيشة الضنك في مقابلة التوسيع على النفس والبدن بالشهوات واللذات المحرمة..!

فان النفس كلما وسع عليها ضيقت على القلب، وكلما ضيق عليها وسع على القلب حتى ينشرح وينفسح..!




خامساً: الجهل بحقيقة الدنيا وصفاتها

إن بين توالي المصائب على الإنسان وبين جهله بحقيقة هذه الدنيا وصفاتها تلازماً دقيقاً، فيتحسر إما على ما فاته منها أو لما يصيبه من البلايا!

و لِنعرف حقيقة الدنيا فلْنعرف معنى الدنيا أولاً؛ 

الدنياهي كل قريب دانٍ، وهو ماكان قبل الموت!

أما الآخرة فمعناها كل متراخٍ متأخر وهي مابعد الموت!

فالدنيا هي كل ماللعبد فيه نصيب وحظ وشهوة ولذة عاجلة قبل الممات، ومن دلالات الدنيا أنها دار فناء وتلك دار بقاء، وأنها أولى وستعقبها أخرى، وأنها في المنزلة الدَنيّة!


ومن خلال تلك المعاني وغيرها نتطرق لبعض صفات هذه الدار:

أولاً: أنها سريعة الزوال
" واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً"

فهذه هي الدنيا، بينما صاحبها قد أُعجب بنفسه وشبابه، و فاق أقرانه وإخوانه، وحصّل منها ومن ملذاتها ما حصّل، وخاض في شهواته وآماله وظن أنه لايزال فيها سائر ماضٍ إلى ما يريد!!
إذ أصابه الموت أو أصابته مصيبة تذهب عنه سروره وتذهب لذته ، فيستوحش قلبه من الآلام والأحزان، ويفارق شبابه وقوّته وماله وينفرد بعمله؛ صالحه أو سيئه!


وهنا يُعرف توفيقه من خذلانه، وفوزه من خسارته!
فالمؤمن الحق من يقوده إيمانه للآخرة التي هي خير وأبقى، ويرى أن التفاته لهذه الدنيا وحزنه عليها من السفه!!


ثانياً: أنها متاع الغرور
" وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"

متاع الغرور أي متاع زائف خدّاع!

فهي تُغري بزخرفها وتفتن بمحاسنها وتخدع بغرورها، ثم إنا عنها منتقلون وراحلون، فالعاقل من يأخذ من متاعها -بطاعة الله- ما استطاع وأن لا يحزن على ما فاته من متاعها..!
ولو بالحديث مع النفس والسخط على هذه الدنيا!


ثالثاً: أنها لهو ولعب
"إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنو وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم"

فمن صفاتها أنها لعب في الأبدان ولهو في القلوب!
فلا يزال العبد لاهياً في ماله وولده ولذاته، لاعباً في كل عمل لافائدة فيه، فهي دارٌ لا يُحزن عليها ولا فيها، ولا يُهتم بشأنها!



رابعاً: أنها دار ابتلاء واختبار
" ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين*الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون*أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون"

أخبر الله تعالى أنه يبتلي عبادة بالمحن والمصائب في دنياهم ليميز الصادق من الكاذب و الصالح من الطالح!
ويبتليهم بشيء من الخوف وشيء من الجوع (لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله أو الجوع كله لهلكوا) !!

ونقص الأموال من غرق وضياع وسرقه!

ونقص الأنفس من فقد الحبيب والقريب والولد، أو بالمرض فيك أو فيمن تحب!
ونقص الثمرات بالحرق أو البرد أو الدمار..!

فوعد الصابرين على كل ذلك بثلاث:
-صلواته عليهم جل وعلا
-رحمته بهم
-تخصيصهم بالهداية

فبالهدى خلصوا من الضلال، وبالرحمة خلصوا من العذاب، وبالصلاة عليهم نالوا القرب والكرامة..!

دوناً عن معيته جل وعلى "إن الله مع الصابرين" ..
إذن فإن ابتلاء الله لعباده بالمصائب والمحن فيه الكثير من الحكم علمناها أو لم نعلمها..!
كما أن من رحمته جل وعلا أن نغص عليهم دنياهم حتى لا يركنوا ويطمئنوا إليها، بل يرغبوا في النعيم المقيم..!
فما منعهم هنا إلا ليعطيهم هناك وما ما ابتلاهم إلا ليعافيهم وما أماتهم إلا ليحييهم!! 

وصدق رسولنا الكريم، قال عليه الصلاة والسلام: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"
وقال: "إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء"

فهذه هي 
الدنيا من عرفها حق معرفتها غاب عنه كل حزن وهانت عليه دنياه!

وما أهونها على الله! وما أخف وزنها و أبخس ثمنها!
وقد وضعها الله وحقرها، فَحرِي بأهل الإيمان أن يضعوها..!
فلا تصبح أكبر همهم ولا مبلغ علمهم ولا سبب آلامهم وأحزانهم...!

كفانا الله وإياكم شرورها وشرور أنفسنا !


~~~~~~~




بعد أن عرفنا الحزن وأنواعه وأدلته وأسبابه، نأتي 
الآن للعلاج أو ما يسمى بـ :


الأسباب الدافعة للحزن
.
.


أولاً: معرفة الله عزو وجل


تقدم في الجزء السابق أن من أخطر أسباب الحزن؛ جهل المحزون بربه ومالك أمره ومصرّف أموره، وعلى قدر جهله بربه يكون حزنه وألمه؛ لذا لا كاشف ولا شافي لهذا الداء إلا الله، الذي قضى بإنزاله، ودبّر أمر عبده قدراً وشرعاً!

وعلى العبد أن يعرف ربه حق المعرفة بالتعرف على أسماءه وصفاته، والتبصّر بالطرق الموصلة إلى تحصيلها، فمن أحب ربّه وأراد وجهه واشتاق إلى لقياه يجب أن تكون هذه المعرفة أكبر مقاصده وأجلّ غاياته!

فتثمر هذه المعرفة وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها..

وهذه الثمرات منها العاجلة والآجلة وأهل الإيمان الذين يعرفون ربهم هم من يقطف هذه الثمار..

فمن الثمرات العاجلة للمعرفة:


[١] تملأ قلب العبد بتعظيم الرب جل وعلا

وأعرف الناس بالله عزوجل؛ أشدّهم له إجلالاً وتعظيماً، ويأتي أثر ذلك في وقوف العبد عند حدود ربه استسلاماً وانقياداً وحمداً وثناءً، لا جزعاً ولا استكباراً ولا اعتراضاً أو استعتابا، يدور حيث دار حكم الله فيه..

[٢] تعمُر القلب بالغنى بالله عما سواه
وبحلاله عن حرامه، وبحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله سبحانه عن خلقه، فيعرف أنهم بشراً مثله فقراء، وأن الغنى بالله وحده..


[٣] تبعث على قوة الرجاء بالله، وحسن الظن به

فقوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسماءه وصفاته، ومعلوم ما للطمع فيما عند الله من واسع العطاء والفرج والكرم من أثر كبير في تبديد الهموم والأحزان..

[٤] تعطي للعبد اليقين بقضاء الله وقدره

فيصبر على المصائب ويرضى بها، لعلمه اليقيني بأن المكروهات والمحن التي تصيبه فيها أنواع من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته، فلا تستولي عليه الأحزان لأنه محصّن بمعرفة بارئه..

[٥] تنبت في القلب الفرح والسرور

فيهنأ بطيب العيش ويجتمع قلبه وهمه على الشوق للقاء الله وهذه غاية سعادة العبد، وصاحب هذه الحال في نعيم دائم وجنّة معجلة لأنه وصل أعلى مراتب معرفة الله فزهد في كل شيء سواه..

[٦] تكسب العبد الأدب مع ربه

وذلك بالقيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهراً وباطناً ولا يستقيم هذا الأدب مع الرب إلا بثلاثة أمور:
-معرفته بأسماءه وصفاته.
-معرفته بدينه وشرعه. ومايحب وما يكره.
-نفس مستعدة قابلةمتهيئة لقبول الحق علماً وعملاً.

[٧] تبصرّ العبد بنقائص نفسه وعيوبها
فيجتهد في تقويمها وإصلاحها لأنه عرف ربه بصفات الكمال!

فمن عرف نفسه بالضعف والعجز والذل والجهل؛ عرف ربه بالقوة والقدرة والعز والعلم!
وبقدر اطلاع العبد على نقائصه ومعايبه يُحسن اللجأ لربه في ذاته وصفاته وأفعاله..!

وأما 
الثمرات الآجلة لهذه المعرفة فإن أعظم نعيم الآخرة هو النظر إلى وجهه الكريم سبحانه جل في علاه

فأطيب مافي الدنيا معرفته وألذ مافي الجنة رؤيته..!

ولا شك أن ثمار المعرفة بالله لا تعد ولا تحصى بعاجلها وآجلها..
بلغنا الله وإياكم حق معرفته ولذة النظر إلى وجهه الكريم..




ثانياً: اتباع شرع الله عز وجل

ذكرنا أن من ثمرات المعرفة أنها تكسب العبد الأدب مع ربه، ومفتاح هذا الأدب هو
 النفس المنقادةالمستسلمة لبارئها حباً ومعرفةً وتعظيماً!

وعلامة هذه المحبة هي اتباع شرع الله باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ( 
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفورٌ رحيم)

والأدلة القرآنية على ذهاب الحزن عن قلب المهتدى بشرع ربه كثيرة، منها:
قال تعالى: (.. فمن تبع هداي فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون )
وقال: ( إن اللذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا )
وقال: ( .. فمن تبع هداي فلا يضلّ ولا يشقى )
وقال سبحانه: ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبة.. )

فدل مجموع الآيات على أن الله جعل اتباع هداه سبباً مقتضياً لعدم الخوف والحزن والضلال والشقاء!
ونفي الحزن عن مُتبع الهدى نفي لجميع أنواع الشرور!
لكن هذا الجزاء -وهو نفي الحزن- ثابت بثبوت الشرط -وهو الاتباع- ومنتفي بانتفاء شرطه!!


ولما كان الحزين يحزن على مامضى، والخائف يخاف مما يأتي ؛ أتى في الخوف بالاسم ولم يأتِ بالفعل فهم يخافون، ولكن [لاخوف عليهم] أي لا يلحق بهم الخوف الذي خافوا منه، وأما في الحزن فأتى بالفعل المضارع [يحزنون] أي لا يصيبهم حزن ولا يحدث لهم بل في سرور دائم..!

فالحياة الطيبة هي القائمة على الإيمان والاستسلام والاستقامة لله عز وجل علماً وعملاً، وبذلك تحلعلى النفس السكينةُ المُذهبة للهموم والأحزان..
والناس في هذا الاتباع متفاوتون؛ وفي طمأنينة قلوبهم وزوال أحزانهم تبعاً لذلك مختلفون..!



ثالثاً: كثرة الدعاء

الدعاء عدو البلاء؛ يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله، أو يخففه إذا نزل!!

والدعاء سلاح المؤمن وهو روح العبادة بل هو العبادة!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدعاء هو العبادة، ثم قرأ : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين )

فكلما كانت معرفة العبد بربه أكبر؛ كانت صلته بالله أٍقوى وكان دعاءه له أعظم، وانكساره بين يديه أشدّ، بل كان ملحّاً مُكثراً من دعاءه في الشدة والرخاء..


والدعاء على شقين: فهو إما 
دعاء مسألة وهو طلب ماينفع وطلب كشف ما يضر.

أو دعاء عبادة وهو الذي يتضمن الثناء على الله بما هو أهله مصحوباً بالخوف والرجاء.
وكلاهما متلازمان وحاجة العبد إليهما عظيمة وفاقته لهما شديدة!

وللدعاء 
مكانته من العبادة فهو روحها ولبّها وأفضلها وذلك لعدة أمور منها:

[١] لأن فيه التضرع والخضوع لله وإظهار العجز والحاجة إليه سبحانه.

[٢]
 لأن العبادة كلما كان فيها حضور للقلب وخشوعه تكون أكمل وأفضل، والدعاء أقرب العبادات لذلك، لأن حاجة العبد تدفعه إلى الخشوع وحضور القلب.


[٣]
 الدعاء ملازم للتوكل والاستعانة بالله، فالتوكل هو الاعتماد بالقلب على الله والثقة في حصول المحبوبات واندفاع المكروهات!

والدعاء يُقوّي ذلك، بل يعبّر عنه ويصرّح به!
فإن الداعي يعلم ضرورته التامة إلى الله وأنها بيد الله ويطلبها من ربه راجياً واثقاً به، وهذا هو روح العبادة
فهو إذاً يقوّي الطمع بقرب الفرج!

[٤]
 الدعاء عبادة لله سواءً أجيب العبد إلى ما سأل أو لم يُجَب!

فهو كسب العبادة لله بدعائه كما لو صلى أو صام أو ذكر الله..
فإن حصل مقصوده من الدعاء فهو غانم له، وإن لم يحصل فهو غانمٌ بعبادة ربه، فمن نِعم الله علينا أن يأمرنا بالدعاء، فتدفعنا هذه الحاجات والضرورات إلى سؤال الله لتحصل لنا هذه العبادة العظيمة!
!
يقول أحد السلف: "إنه يكون لي الحاجة إلى الله فادعوه فيفتح لي من لذيذ مناجاته ما أتمنى معه أن حاجتي لم تقضَ، لما أخشى من انصراف النفس عن هذه المناجاة والعبادة" !
ويقول بعضهم: "لقد بوركَ لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب مولاك"  !

إذاً فالدعاء من أعظم أسباب السعادة؛ فبه تُزال الكروب ويُنال المطلوب، وتغفر الذنوب، ويدفع به البلاء ويرد به القضاء !

فيجب على العبد أن يكثر من الدعاء، ولا يلتفت لمن يعتقد أن الدعاء لا تأثير له في حصول مطلوب ولا دفع مرهوب وإنما هو عبادة محضة!

فلا يقول هذا من عرف قدر الدعاء!

فهو مفتاح التوفيق بالافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه سبحانه، فمتى أعطي العبد هذا المفتاح انفتح له كل خير وأغلق عنه كل شر!
!
وعلم أن الشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت! سترحل وتنكشف!

فيلحّ على ربه ويحسن طرق بابه، ويسأل ربه من خير ما سأله منه عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويستعيذ به من شر ماستعاذه منه عبده ورسوله، فإن في ذلك فواتح الخير وخواتمه وأوله وآخره وظاهره وباطنه..





رابعاً: كثرة الاستغفار

شرع الله البر الجواد الرحيم الاستغفار لعباده، وسمى نفسه الغفور والغفار، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها.
قال تعالى: ( 
وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى )
والاستغفار يتضمن التوبة، 
فالاستغفار: طلب وقاية شر مامضى من الذنب.

والتوبة: الرجوع وطلب الوقاية من شر مايخافه في المستقبل من سيئات أعماله.


وكثيراً ما تأتي التوبة مقرونة بالاستغفار في كتاب الله عز وجل، قال تعالى : ( 
وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً )

وقال: ( استغفروا ربكم ثم توبوا ليه يرسل السماء عليكم مدراراً )
وفي هذا دلالة على عظم التلازم بين الاستغفار والتوبة وشدة احتياج العبد إليهما للوقاية من شرور الذنوب وإزالة الكروب.

ومن الغنائم الباردة للاستغفار: أن جعله الله بلطفه وإحسانه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم سبباً لذهاب الهموم والأحزان بكافة أنواعها
:
- ماكان منها حزناً على فعل الذنوب والمعاصي .
- ماكان حزناً على مصيبة ألمت بالعبد في نفسه أو ماله أو ولده.
-ماكان حزناً على تقصير العبد في عبوديته لربه.

كل هذه وغيرها من الهموم والأحزان يأتي عليها الاستغفار فيجبّها جميعاً، ويبدل مكانها فرحاً وسروراً..


قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ )
..
و في الحديث فضيلة عظيمة وهي: الاستكثار من الاستغفار فيه المخرج من كل ضيق، والفرج من كل هم، وحصول الأرزاق للمستغفر من حيث لا يحتسب !!

وقد كان صلى الله عليه وسلم 
كثير الاستغفار والتوبة إلى الله مع أنه صلى الله عليه وسلم قد غُفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة )

وكان كذلك ينوع في صيغ الاستغفار، فتارة يقول صلى الله عليه : (أستغفر الله وأتوب إليه )، وتارة: ( رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم ) وغيرها..

ولكن أتمّ هذه الصيغ وأكملها؛ هو ماجاء عن النبي أنه قال:
(سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ 
اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُبِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ قَالَ وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ )


فتضمن هذا الاستغفار الاعتراف من العبد بربوبية الله وألوهيته وتوحيده، والاعتراف بأنه خالقه العالم به، إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصيره فيه، والاعتراف بأنه عبده الذي ناصيته بيدهوفي قبضته، لامهرب له منه ولا وليّ سواه، ثم التزم الدخول تحت عهده -وهو أمره ونهيه- الذي عهده إليه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك بحسب الاستطاعة، مع تصديق العبد بوعده الذي وعده لأهل طاعته بالثواب، ولأهل المعصية بالعقاب، سائل ربه المغفرة ومحو الذنوب والعافية من شرها فلهذا كان هذا الدعاء سيد الاستغفار.

إذاً فليهنأ كل محزون بهذا الفرج العظيم - إن لزم الاستغفار وأكثر منه، وصدق في اللجأ إلى الله - بأن حزنه راحلٌ عنه، وأن كسره مجبور وقلب أنِس فرِح، فلا حزن مع الاستغفار وربنا الغفار..





خامساً: عدة أسباب دافعة للحزن منها

قراءة القرآن الكريم فإن كتاب الله هدى ورحمة وشفاء وطمأنينة وسكينة، فبه تنشرح الصدور وتطمئن القلوب وتهدأ النفوس..

حسن الظن بالله وذلك أن يستشعر المحزون أن الله تعالى فارجٌ همه وكاشفٌ غمه، قريبٌ نواله مهمى طال الزمن أو قصر!

فإن أحسن ظنه بربه كان له عند ما ظن به من خير.

*
 الصبر عند الضرّاء وهذا شأن أهل الإيمان فهم يعرفون كيف تكون المحنة مِنحة، والشدة فرجاً والعسر يسراً !!

بصبرهم واحتسابهم وثقتهم بموعود ربهم الذي لا يُخلف.

*
 تذكّر العبد نعم ربه عليه وهذا من أنجح الأدوية على قلب المحزون، الذي لو عقد مقارنة بين نعم الله الحاصلة له دينية كانت أو دنيوية، ظاهرة أو باطنة، وبين ما أصابه من مكروه؛ لوجد فرقاً كبيراً بل لا مجال للمقارنة!

وحينها سيختفي ألمه ويحضره الحياء من ربه المُنعم الذي أعطى ويعطي الكثير، وأخذ وابتلى بأقل القليل!!

تذكر نعيم الآخرة المقيم وكفى المبتلى والمحزون أن يتذكر قول الله: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون )


*
 المداومة على أذكار الصباح والمساء ومايتبه ذلك من أذكار اليوم والليلة، فهي -بمشيئة الله- تُحصّن العبد من شر شياطين الإنس والجن وتزيده قوةً حسية ومعنوية إذا قالها مستشعراً لمعانيها موقناً بثمارها وفضلها..


ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم، والأخذ من كل واحدة منها بالقدر الذي يعين على طاعة الله ويعلي الهمة ويحقق غاية الخلق وهي عبادة الله..


*
 الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل وأنواع المعروف كلها، فإن أحسن العبد إلى الخلق شُرح صدره وطابت نفسه، والله يؤتيه من أجري الدنيا والآخرة ومن جملة هذا الأجر؛ زوال الهم والغم والحزن والكدر..


وهذه جملة مما تيسّر ذكره من أسباب دفع الحزن، وغيرها الكثير مما يفتح الله به على عباده..

فلا ينبغي للمسلم المؤمن أن يكون حزيناً ولا مهموماً على شيء من أمور الدنيا لأن الله قدّر الأمور فأحكمها، وقدّر الأرزاق فأوصلها، فمن آمن بربه حق الإيمان لن يحزن على مافاته من الدنيا أو يهتم، ولا يتّهم ربه !
ففيما قضى له الخِيَرة!



أخيراً نقول..

لا تحزن وربك الله الأكرم الأرحم الأعظم

=")



نسأل الله العفو والعافية..
وأي يرزقنا وإياكم علمً نافعاً وعملاً متقبلاً..
وجزاكم الله خيراً..

للاستزادة:
 كتاب لا تحزن وربك الله
د.وفاء الحمدان


وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق